عربينا

تساؤلات المغترب حول العربيه في المهجر

التجربه التركيه

في سياق الحديث عن تحديث الكتابه العربيه لا بد لنا ان نستعرض تجربه اللغه التركيه، والتي كانت تكتب طوال العهد العثماني باستخدام الابجديه العربيه، ثم اعيدت هندستها بالكامل في بدايه القرن العشرين باستخدام الابجديه اللاتينيه. وتلك التجربه تتقاطع مع مشروع عربينا بشكل كبير:

  • من حيث انها مشروع لاعاده هندسه طريقه كتابه لغه من دون المسً باللغه نفسها (الاصوات، المفردات، العبارات، او التراكيب اللغويه)
  • من حيث ان نقطه البدايه هي الابجديه العربيه التقليديه
  • من حيث ان الدافع هو ضروره تحديث الكتابه بعد قرون من الجمود والتخلًف الحضاري

 

نبذه تاريخيه

بطل قصتنا هو الجنرال مصطفي كمال الملقًب بأبي الاتراك او “اتاتورك”.

واتاتورك هذا شخصيه مكروهه للغايه من قبل العرب والمسلمين. يكرهه العرب لأنه اسس الدوله التركيه الحديثه بشكل منفصل تماما عن الشعوب والاراضي العربيه، وترك المجال واسعا للامبراليات الاوروبيه لتسرح وتمرح في بلاد العرب بلا حسيب ولا رقيب.

اما المسملون بشكل عام فيكرهونه لانه مؤسس الدوله التركيه الحديثه على انقاض دوله الخلافه العثمانيه. فنجاحه الباهر في ذلك كان المسمار الاخير في نعش مشروع الخلافه الاسلاميه. ودوله اتاتورك حيّدت القوى الدينيه تماما عن السلطه، ولم يكن للدين فيها اي نفوذ او سلطان. فالدستور اعيدت كتابته بشكل علماني محيّد للدين تماما، والقوانين الشرعيه استبدلت بقوانين مستقاه من النظام السويسري، والحجاب الشرعي تم منعه منعا باتّا تحت طائله القانون، والمدارس الدينيه اقفلت وتعدد الزوجات تم تجريمه واللغه العربيه (لغه الاسلام الام) تم اقصاؤها بالكامل واستبدلت باللغه التركيه كلغه رسميه وحيده للدوله، حتى ان الاذان ترجم الى اللغه التركيه.

والحق يقال ان اتاتورك هذا وان كان من وجهه نظر العرب او المسلمين لعنه من السماء، فهو من وجهه نظر الاتراك بطل مغوار لم تلد مثله امرأه من قبل او من بعد. فهو بدون مبالغه السبب الوحيد الذي حال دون انهيار الكيان التركي بالكامل بعد الهزيمه النكراء التي حلت بالدوله العثمانيه في الحرب العالميه الاولى.

فالذي لا يعلمه الكثيرون هو ان البقعه الصغيره المتبقيه من الدوله العثمانيه بعد الحرب العالميه الاولى، والمعروفه اليوم بتركيا، كانت تتعرض لغزو يوناني شرس من الغرب وحرب اهليه في مناطق الاقليات الكرديه في الشرق، وباتت تخسر سيادتها على اراضيها وعلى وشك الانقراض الكامل لولا اخذ الجنرال اتاتورك زمام المبادره وفوزه بعدّه معارك رسّخ فيها سياده الاتراك على الحدود الحديثه للدوله، وصد عنها الطامعين. وفيما اثبتت الدوله العثمانيه فشلها وخسرت معظم اراضيها، رفض اتاتورك الاتفاقيه التي وقعها الخليفه والتي تتنازل عن سياده الاتراك على ما تبقى من اراضيهم وتحولها الى مستعمرات اوروبيه، وتمرّد على تنازلات الخليفه وقابلها بمشروع اعاد للشعب التركي كرامته واسس دوله حديثه على انقاض المصيبه التي خلفها له الفشل العثماني المروّع.

ثم تلت تلك الاحداث عقود تحديث الدوله على كل الاصعده بما فيها تحديث اللغه التركيه واعتمادها كلغه رسميه وحيده.

وعلى ايه حال، وبغض النظر عن شخصيه اتاتورك واتجاهاته الايدولوجيه او السياسيه، وبغضّ النظر عن اسباب ودوافع اعاده هندسه الكتابه التركيه، فهي بلا شك تجربه لا نظير لها في التاريخ الحديث من حيث مدى النجاح ونطاق التطبيق. وحريّ بنا ان ننظر اليها ونتعلّم منها العبر والدروس.

نجاح مشروع تحديث الكتابه التركيه

انظر الى الاحصائيه التاليه لترى كيف هبطت نسبه الاميّه في تركيا بعد اعتماد الكتابه الجديده. فقبل تحديث الكتابه كانت الغالبيه الساحقه من السكان (90%+) امّيه لا تجيد القراءه ولا الكتابه. وبعد اعتماد الكتابه الجديده وتعليمها في المدارس بدأت نسبه الاميه بالهبوط الحاد حتى انعكست الايه في ظرف عقود معدوده من الزمان، واصبحت الغالبيه الساحقه من السكّان (90%+) تجيد القراءه والكتابه!

وحتّى تكون الدراسه موضوعيه، ارفقت في نفس الاحصائيه نسب الاميّه في دول عربيه للمقارنه، ونسبه الاميّه في العالم ككلّ. هنا تتوضح لنا الصوره: فتركيا قبل تحديث اللغه كانت متخلفه عن المعدل العالمي في نسبه القرّاء، بل ومتخلفه حتى رعاياها من الشعوب العربيه، ربما لأن لغتها كانت تكتب بأبجديه عربيه دخيله على اللغه. ثم بعد تحديث اللغه انحلّت الازمه واصبحت تركيا في المقدمه، تتفوق في نسبه القرّاء على المعدل العالمي، وعلى الدول العربيه بفارق كبير.

هذا هو أثر تبسيط نظام الكتابه، وتحديثه ليتماشى مع سبل تكنولوجيا المعلومات المعاصره، ليفتح المجال اما جميع فئات المجتمع لتعلّم القراءه والكتابه بأبسط السبل وبأقل جهد ممكن.

المصادر:

Max Roser (2015) – ‘Literacy’. Published online at OurWorldInData.org

ADULT AND YOUTH LITERACY, 1990-2015 – Analysis of data for 41 selected countries

Education for All Global Monitoring Report, 2006

World Databank

وشيوع القراءه والكتابه لم يكن ليحصل لولا نجاح مشروع هندسه نظام الكتابه في الوصول الى كل بيت في تركيا. فالواقع ان نظام الكتابه الجديد لاقى قبولا واسعا على نطاق الامه التركيه كلها، حتى اصبح الكتابه الرسميه المعتمده الموحّده، المستعمله على جميع الاصعده من النصوص الرسميه الى الادب والعلوم والاقتصاد الى المقاله والمدونات ومواقع الانترنت وجميع اشكال التواصل الالكتروني {chat, social media, tweets, posts, blogs, …}

بالطبع ينبغي لنا ان لا نستخف بذلك الانجاز، فكون الامه التركيه تكتب بنفس الطريقه الموحده على جميع الاصعده السابق ذكرها هو انجاز مذهل. ونحن اذ نقارن بأسف بوضع الامه العربيه، نجد انها تكتب “الفصحى” في المقاله والروايه والقصيده، ثم تكتب “العاميه” بأحرف arabizi على مواقع التواصل الاجتماعي، وتكتب بين البينين بلغه ركيكه بين العاميه والفصحى على المدونات ومواقع الانترنت، وتكتب النص العلمي بطريقه اخرى تدمج المفردات العربيه بالمصطلحات العلميه اللاتينيه او الانجليزيه. نحن امه لا تعرف طريقه موحّده للكتابه، ربما لأننا لم نحصل على “اتاتورك” عربي يهندس اللغه بلا اكتراث لقداسه الموروث التقليدي! لا عجب اذا في ان “امّه الشعراء” كلها ما عادت تنتج من الشعر او النثر او من التراث المكتوب بشكل عام ما يضاهي نتاج شعب تركيا وحده. واذا عرف السبب بطل العجب.

مزايا الكتابه التركيه الحديثه

  • اعتماد الحرف اللاتيني فكره ذكيّه، لأنها حققت ثلاثه اهداف مهمّه بضربه واحده:

1. الانتقال الى اتجاه الكتابه العالمي من الشمال الى اليمين، وهو ضروره ملحّه كما فصّلنا في مقال سابق

2. اعتماد نظام الكتابه بأحرف منفصله المعتمد عالميا، وهو ايضا ضروره ملحّه كما فصّلنا في مقال سابق

3. الاعتماد على ابجديه هي الاكثر انتشارا وشيوعا في العالم يضمن الوصول باللغه الى اوسع نطاق ممكن من المتلقين، بما فيهم العرب انفسهم فهم بلا شك يتقنون الابجديه اللاتينيه على العموم

  • استخدام إشارات خاصه فوق او تحت الأحرف الرومانية لتبيان أصوات في الأبجدية التركيه، بدلا من استعمال احرف لاتينية مزدوجة {digraphs} مثل ch أو sh:

 

مثال الاحرف الانجليزيه المقابله له
الحرف التركي
Çilek = Chy-lek
(Strawberry)
ch ç
Şemsiye = Shem-sy-yeh
(Umbrella)
sh ş

 

 
  • عدم استخدام احرف العله اللاتينية كما هي، لانها لا تناسب أصوات اللغه التركيه، فاستعاضوا عنها بأحرف علّه ثمانيه تطابق تنوّع الأصوات في اللغه التركيه المحكيّه

 

الصوت يماثل حرف العلّه التركي
bee i
plus ı
art a
bend e
bone o
fur ö
blue u
tu [French] ü
  •  كل حرف منطوق. بمعنى انه لا توجد احرف صامته بالمره. وهذا تبسيط بديع يجنّب الطالب ضروره تعلّم شواذّ لغويه متعبه مثل:

 

 

اللغة  الحرف الصامت
الكلمة
الانجليزية k knife
الانجليزية w wrong
الانجليزية g sign
الفرنسية d chaud
الفرنسية t lait
الفرنسية e,n,t viennent
العربية و  عمرو
العربية  ا  زرعوا
العربية  ل  الشمس
العربية  ا  مائه

 الكتابه التركيه اذا احدث وابسط في هذه الجزئيه من كل تلك اللغات.

  • لكل حرف صوت واحد فقط يقترن به (باستثناء حرف ğ وحده والذي ليس له صوت معين، بل يغير صوت حرف العلّه السابق له)، وعدا ذلك لا يمكن ترتيب مجموعه احرف بحيث تقترن الاحرف بأصوات مغايره لما تقترن به لو كانت فرادى. وهذا تبسيط رائع ايضا يجعل تعلم القراءه والكتابه التركيه اسهل بكثير من اللغات اللاتينيه، كالانجليزيه مثلا حيث يتغير صوت الحرف بحسب الكلمه وبحسب الاحرف المجاوره له:

 

مثال صوت الحرف
الحرف الانجليزي
cat ك c
city س c
change تش ch
chrome ك ch

جدير بالذكر ان هذه الظاهره في الانجليزيه هي من مخلفات تاريخ تطوّر اللغه حيث اصطدمت بعض الاحرف اللاتينيه بنظيراتها الجرمانيه ذات الاصوات المختلفه وانصهر الاثنان في حرف واحد اصبح له اكثر من لفظ. اما الكتابه التركيه فلا تعاني من مصيبه تاريخيه كتلك، وبالتالي كان الابتعاد عن تلك التعقيدات اللفظيه خيارا صائبا.

 

مشاكل الكتابه التركيه الحديثه

 
  • اعتماد حروف الكبيرة والصغيرة (UPPER/lower casing). فقد كانت التركيه تكتب بأحرف عربيه لفتره طويله جدّا دون اي حاجه لأحرف كبيره او صغيره. ثم حين انتقلت الى النظام الروماني استعارت ذلك التعقيد دون اي فائده تذكر. تلك زائده ورثها أبناء اللغات اللاتينية عن اجدادهم، اما الأتراك فما لهم ليرثوا ذلك التعقيد الذي لا داعي له؟
  • الاعتماد على التنقيط لتمييز الاحرف. وهو نظام غير عملي من مخلفات طرق الكتابه التاريخيه. فالنقطه شكل صغير الحجم يتطلب جهدا عينيا لتمييزه اثناء القراءه. لم تكن تلك مشكله ايام الكتابه اليدويه حيث الخط دائما كبير وواضح. اما في عصر الطباعه والشاشات الالكترونيه فالنقطه ليست الخيار المثالي لتمييز الاحرف عن بعضها.
ولكن للاسف اعتمدت الدوله التركيه نظاما يجعل النقاط ادوات تخصيص مهمه للاحرف، فحرفا {ı, i} مثلا لا يتمايزان الا بالنقاط، وكذلك الحال بالنسبه لحرفي {u, ü} او {o, ö}.
وذلك بخلاف الاحرف الانجليزيه التي لا تحتوي على نقاط مييزه في الواقع. فحرف i مثلا لا يقابله حرف مماثل بلا نقطه، وكذلك الحال بالنسبه لحرف j. والنتيجه العمليه لذلك هي ان النقطه في الانجليزيه (بعكس التركيه) زائده أثريه لا تحمل اي معنى لفظي، وبالتالي يمكن للقاريء الانجليزي ان يتجاهل النقاط تماما دون اي اثر على المحتوى المعلوماتي للكلمه {information content}.
3- استخدام احرف لاتينيه لتقابل اصوات مختلفه عن الاصوات المقابله لها في الانجليزيه ومثيلاتها:
مثلا حرف C في الانجليزيه يقترن بصوت ك او س، ولكن اعيد استخدام نفس الحرف في التركيه ليقترن بصوت ج. وهذا يصعّب بلا شك عمليه تعلم التركيه من قبل شخص يتقن الانجليزيه، حيث على المتعلّم ان يبذل جهدا ذهنيا ليفصل رسم C عن اصواته المعهوده ويقرنه ذهنيا بصوت جديد: ج.

خلاصه الكلام

تحديث الكتابه التركيه تجربه ناجحه بإمتياز، حريّ بنا ان نمنهج كتابه عربينا على طرازها، بشرط الابتعاد عن المشاكل ومواطن الضعف التي ميّزناها

 

Leave a Reply