عربينا

تساؤلات المغترب حول العربيه في المهجر

اللغه اليوميّه

ادمنت مؤخراً لعبه الكترونيه اسمها Call of Duty يدخل فيها اللاعب سلاح البحريه الامريكيه فيحارب معارك خياليه في شتّى بلدان العالم. حاربت الروس والافغان والكوريين. وكي تكون اللعبه واقعيّه ومقنعه، يقوم جيش العدوّ دائما بالتخاطب بلغته الخاصه. ففي موسكو تستطيع ان تسمع الجنود يصيحون تعليمات بالروسيه، وكذلك في كل معركه.

وفي احدى فصول اللعبه يواجه اللاعب جيشا عربيا في معركه تدور احداثها في مدينه عربيه تخيّليه معاصره. واليك بعض العبارات التي يتهاتفها الجنود بلسان عربيّ مبين اثناء القتال:

“هذه قنبله يدويّه لكم ايها الامريكيون!”
“مشاه البحريّه الامريكيه خلف السياره الحمراء” {US Navy behind the red car}
“سقط واحدٌ منّا” {!man down}
 “قوموا بحمايتي، اقوم بشحن السلاح” {cover me, I’m reloading}

لك ان تتخيل كم الوضع كوميدي من وجهه نظر لاعب يتكلم العربيه مثلي! العامل الكوميدي غير مقصود طبعا، ومصممو اللعبه ارادوا ان يضعوك في حرب شوارع معاصره داخل مدينه عربيه حقيقيه. ولكنهم باستخدامهم اللغه العربيه الرسميّه حوّلوا المعركه الى مسرحيّه فكاهيه. ولا اظن ان العامل الكوميدي موجود اثناء الحرب مع الروس او الكوريين، بل مع العرب فقط.

وبعد الضحك استرسلت في التفكير: لماذا وجدت الموقف مضحكا؟

لان الحرب وضعيه واقعيه للغايه بل هي قمه الواقعيه، ولغتنا “الرسميه” منفصله عن الواقع اليومي تماما، لا نستخدمها في حياتنا اليوميه خارج نطاق ما يمكن ان نسميه بالترف الفكري كالمقال والخطبه والقصيده والروايه الى اخره.

في مقالي السابق تحدثت باسهاب عن ظاهره عدم اجاده العرب للغه العربيه الرسميّه. والان دعني ازد على ذلك: هو ليس تقصيرا من العرب او جهلا او كسلا. نحن كلنا نجيد اللغه العربيه! عربيه كل يوم: لغه التهاتف اثناء المعركه، او التساوم على سعر سياره، او الاتفاق على تفاصيل العمل في الاجتماعات، او طلب وجبه في مطعم، او المزح مع الاصدقاء، او تبادل الشتاءم مع الاعداء، او الغزل مع الحبيب، او توبيخ الاطفال…

اما عربيه المقالات والروايات والصحف والقصائد وخطب الجمعه، فلا مكان لها في حياتنا اليوم خارج ذلك النطاق الضيق. لذلك لا نجيدها! وهي تشبه بذلك اللغه الانجليزيه القديمه التي لا ينطق احد بها اليوم خارج نطاق ممثلي مسرحيات Shakespeare  و Middleton  ولذلك لا يكاد يجيدها احد من الناطقين بالانجليزيه اليوم.

وانا هنا اتعمّد تجنّب المصطلحات الدارجه “فصحى” مقابل “عاميّه” لأنها مصطلحات عاطفيه وغير موضوعيّه. فكلمه “فصحى” تتضمن حكما بانها اللغه الاكثر بيانا او الاكثر صحّه، وهذا ادّعاء بحاجه لنظر، وهو خاضع للبحث الموضوعي والاخذ والردّ ولا نقبله في ظاهره دون ادلّه. بل هي اللغه الـ”رسميه” او الـ”مكتوبه” او الـ”اصليّه” وهذه مصطلحات خاليه من الاحكام {subjectivity}. اما اللغه الـ”عاميّه” فهي بالتأكيد ليست “للعوامّ” فقط كما يتضمن المصطلح. بل هي اللغه السائده بين كل العرب اليوم يستعملها الجميع من كل الطبقات الاجتماعيه والعلميه حتى جهابذه اللغه العربيه وافصح الادباء والشعراء. وانا لا اعرف شخصا عربيا واحدا لا يستعمل الـ”عاميّه” في معاملاته اليوميّه. فهي اذا اللغه “اليوميّه” وليست لغه العوام فقط.

وهذه اللغه اليوميه، اليست لها قواعد ثابته ننصاع لها جميعا على السليقه وان كنّا لا نقعّدها في كتب ولا نعطيها مصطلحات واسماء ولا ندرسها في مدرسه؟ اليك بعض الامثله:

اللغه اليوميه في: الاردن/سوريا/فلسطين
القاعده النحويه: يضاف حرف “ر” الى اواخر الاعداد  بين 11 و 19 اذا كان العدد مضافا والمعدود مضافا اليه، اما اذا كان العدد غير مضاف فلا يضاف حرف الراء
مثال: “عندي خمسطعشر كتاب” مقابل “الباب رقم خمسطعش
اللغه اليوميه في: مصر
القاعده النحويه: تُنفى الصفات باداه النفي “مش” التي تسبق الصفه المنفيّه، امّا الافعال فتنفى بنفس اداه النفي “مش” ولكن يتوسط الفعل واي ضميرمتصل به بين الميم والشين في “مش”
مثال: “مش جديد عليك جمالك، الجمال ده جديد عليّا” مقابل “مـتفكّرنيـش بالعمر اللنا ضيّعّته معاك”
اللغه اليوميه في: لبنان
القاعده النحويه: عند تصريف الفعل المضارع مع ضمير المتكلّم المفرد “انا” تضاف باء مكسوره “بِ” قبل فاء الفعل، الا اذا كانت فاء الفعل مكسوره فعندها تضاف باء مسكّنه “بْ” قبل فاء الفعل
مثال: “بِتْـمرجح بألبك” مقابل “بْئِـلّك انا بْحِـبّك”

وسلسله التسآؤلات الان كما يلي:

  • هل سمعت قبل اليوم عن هذه القواعد او رأيتها مكتوبه بهذا الشكل في كتاب ما؟
  • هل تطبّق انت هذه القواعد في حياتك اليوميّه على ارض الواقع؟ وهل احترت يوما في احداها او احتجت للرجوع الى مرجع لغوي؟
  • هل تعتقد ان دراستك لقواعد من هذا النوع في حصص مدرسيه او جامعيه، او واجبات او امتحانات او غيرها، ستجعلك تتقن اللغه اليوميه بشكل افضل مما انت عليه اليوم؟
  • ولكن، الا يحتاج الاجنبي الذي يحاول اتقان اللغه العربيه اليوميه لدراسه قواعد من هذا النوع؟ الن تسّهل عليه مشقّه تعلّم اللغه؟

كذلك هي الافضليّه التي تمتاز انت بها كناطق بالعربيه على السليقه على جميع من يحاول ان يتعلم لغتك من الاعاجم. هي لغتك الام! وانت بالتأكيد لا تحتاج لدراستها. بل على العكس، انت تعرّف لغتك بمجرّد ان تتكلّمها، ثم يسمع العالم فيحلل كلامك ويقعّده ويصوغ منه المناهج والدروس والواجبات والمراجع والقواميس. هذه اللغه اليوميه هي”لغتك، ومعجزتك، عصا سحرك، حدائق بابلك ومسلّتك، هويتك الاولى ومعدنك الصقيل” اذا صحّ الاقتباس من قصيده الشاعر المبدع محمود درويش.

ولكن، من اين جاءت “اللغه العربيه اليوميه” هذه؟ وهل نتجت عن فراغ؟ وما سرّ مشابهتها المريبه للّغه “الاصليّه المكتوبه”؟

لماذا لا توجد في اللغه اليوميّه مثلا كلمه “بلى”، بينما توجد في لغه الاردن/سوريا/فلسطين كلمه تشبهها جدّا في اللفظ وفي المعنى وفي الاستخدام “امبلى”؟

لماذا توجد كلمات معاصره متطابقه شكلا مع نظيراتها القديمه، ولكنها مختلفه تماما في المعنى؟

اللغه الرسميّه اللغه اليوميّه
خذ هذا الدواء بالصحّه والعافيه مصري: مش عاوز. هوّه بالعافيه؟؟ (اي بالاجبار)
سوف اقضي عليك يا وغد! جزائري: جينا نقضي عليك (اي نتسوّق عندك)
لا تحسبي اني هجرتك طائعا، حدث لعمرك رائع ان تُهجري (اي مروّع) خليجي: رائع بحبك رائع، لو تعذّبني (اي باهر)

 

اتترككم مع هذه الاسئله حتّى ارتّب افكاري حول حياة اللغات في المقال القادم. فتابعونا!

1 comment for “اللغه اليوميّه

  1. Anonymous
    April 10, 2015 at 3:42 am

    تفكير و منهج انا احترمته شخصيا .
    لماذا نتعب غير الناطقين بالعربيه بتعلم لغه غير مستخدمه في الشارع و خلال التعاملات اليوميه .
    و في حال حصل ذلك و اصبحت هناك قواعد و مناهج . لماذا لا تتقارب اللهجات العاميه حتى يسهل تواصل الناطقين باللغه اليوميه العربيه حول العالم ؟
    سؤال يستحق التأمل .

Leave a Reply